أحمد بن ابراهيم النقشبندي
23
شرح الحكم الغوثية
الحق على القلوب المشرقة أطفأت كل نور . ثم تنفّس الشيخ فانطفأت قناديل المسجد كلّها وكانت تنيف على ثلاثين ، ثم سكت وأطرق فلم يجد أحدا أن يتكلم ؛ لعظيم الهيبة ، أو يتحرّك . ثم رفع رأسه وقال : لا إله إلا اللّه يا فقراء ! إذا أشرقت أنوار العناية على القلوب الميتة أضاء لها كل ظلمة . ثم تنفّس الشيخ فاشتعلت القناديل ، وعاد لها نورها واضطربت اضطرابا شديدا حتى كاد يلحق بعضها بعضا . ثم تكلّم الشيخ في آية السجدة ، فسجد وسجد الناس ، فسجدوا الرهبان مع الناس خشية الفضيحة والاشتهار . فقال الشيخ في سجوده ودعائه : اللّهم إنك أعلم بتدبير خلقك ، ومصالح عبادك ، وإن هؤلاء الرهبان قد وافقوا المسلمين في لباسهم والسّجود لك ، وأنا قد غيّرت ظواهرهم ولم يقدر على تغيير بواطنهم غيرك ، وقد أجلستهم على موائد كرمك ؛ فانقذهم من الشّرك والطّغيان ، وأخرجهم من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان . فما رفع الرهبان رؤوسهم من السجود إلا وقد مضى عنهم الهجران والصدود ، ودخلوا في دين الملك الصمد الواحد المعبود ، فأسلموا وبلغوا المقصد . فأتوا الشيخ وأسلموا على يديه وتابوا وبكوا وندموا على ما كان منهم ، وكثر الصياح والبكاء في المسجد . وكان مشهورا ، ومات ثلاثة أنفس في المجلس ، ففرح الشيخ بإسلامهم . قلت : هذا الشيخ لم يثبت عنه أنه رجع للأندلس قطّ منذ خرج منها ولكن لما كان صاحب كرامات ، وخوارق عادات يمكن أن خرقت له العادة ؛ كما اتفق له مع النصارى في القصة التي تقدّمت . وكان من أبي شعيب في صلاته على حجة الإسلام وهو بالمغرب ، والغزالي بالمشرق ، وكم لهم من مثل هذه الكرامات رضي اللّه عنهم ! قال الشيخ الحريفيشي بعد وروده لهذا الحكاية : هذه واللّه صفة الأولياء الأخيار ، والسادات الأبرار ؛ أمناء اللّه على عباده ورحمة لهم في بلاده .